غمرتنى الفرحة ..

 

غمرتنى الفرحة ، دفعتنى إلى رحاب الكون ، أُغرّد فى أرجاءٍ حول الأجرام ، لأشدو فى وديان النور و شموس الأنهار .. أتولد مع الآشعة الوليدة ، أنبثق مع كل نبضة .. أتولد مع النور ، والدفء ، وفرحة عارمة هى إطلالة منطلقة فى السموات .. جمّاع لكل الرؤيا والتجليات يحوينى فى العالم المرئى ، واللامرئى ، فى توافق وتدفق لا يستكين ، وكأنها رقصة كونية متداخلة النبضات والإيقاع  ، ترمح فيها الطفلة الكامنة فى القاع ..

 

دفعتنى الفرحة إلى قمم الجبال المقدسة وارتفاعاتها   تلامس السماء ، قمم تربّت بهدوء وسكينة ، كمن يتحسس صفحات ملساء ،  يعيش اللمسة بنبضاتها  وبكل مابها من كائنات لاستكشاف الأغوار .. لقاء عارم بين السماوات والأرض ، بين موطن الآلهة ونهاية المطاف .. بين رسوخ الإستقرار ونقاء النبع الصافى والعشب الأخضر.. إرتفاعات وقمم ممتدة حتى الآماد والآفاق كجبال القاف ..

 

وجبال القاف هى ما لا يمكن الوصول إليها لا براً ولا بحراً . فجبال القاف مصنوعة من الزبرجد الأخضر، تحمل العالم على قمتها ، فلولاها لارتجّت الأرض وترنحت لتلقى بكل ما عليها .. شموخ هو الجبل الأم ، تنعكس ألوانه لتكسو الأرض بخضرتها .. فالصعود إليه روحى، والإرتقاء إلى قممه  تقدّم نحو المعرفة ، معرفة الذات الكامنة فى الأعماق حتى ترقى إلى معرفة الرحمن .. جبال القاف حقيقة الإنسان وحقيقة ذاته ، وقمته هى مخرج إلى رحاب الأبعاد ، نتكىء عليها لنغوص فى الملكوت الأعلى ، نتماوج مع الأثير ومنحنيات الصخور وتدفق شلالات وسط  أحلام البشر لتنير الغيوم وتبدد السراب ..

 

 فجبال القاف هى الحد الفاصل ..

  

أطارتنى الفرحة إلى موطنى الأصلى ، وحلّقت .. افترشت قمتها لأستكين كأعجوبة الطائر الأخضر ، كالخضر المتفرد ، فى وحدة لا تعرف إلا صمت الحكمة  و جمال المطلق وكل ما يتيحه مجال العزلة والإنعزال  من تأملات  وتصاعد التسبيحات .. فجبال القاف هى حقيقة الإنسان، حقيقته الدفينة، طبيعته الذاتية، الجبل الأم لكل الجبال.. جبال لا يصل إليها البشر وكأنها فى أطراف العالم، أو هى الحدود بين المرئى واللامرئى ، لا أحد يعلم ما الذى يوجد خلفها إلا الله.. وكأنها جبال الرضا.

  

وقذفتنى الفرحة بعيدا فى تفاعلات الحياة والشطآن .. حيث ترتطم المعارف ويتجدد الميلاد.. مياة تتلاطم فى حركات  خلاقة  إبداعية  الموار ، تضم الممكن المتاح وكل ما لم يتولد بعد.. أطياف الواقع المتجسد كرحابة الحياة والموت ، فالموت أنشودة .. أشدو لها غرابة الفرحة الكاسحة لمحيطاط  الآلام  المسجورة  فى الأعماق .. آلام امتلأت وفاضت حتى شحّت وأفضت نيرانها إلى بعضها وتفجرت حتى صارت سجورا .. ورغمها ، راح العالم من حولى يشدو من جديد فى القلب المتفحم ، ينتزعنى  من الغرق –  فهناك من يغرق ، وهناك من يجتاز الأمواج  بفضل بصيص من نور – حتى وإن كان سحيقاً..

  

أتراقص من الفرحة فوق الأمواج الشاهقة الجمال ، أنسج خيوط  سعادة  ولّت  منذ  الآماد وأتغنى ، لكن ، هل من يعيد الغناء الرمز  ووصل الطاقة الخلاقة  بخالقها ؟! وجرفتنى الفرحة.. جرفتنى فى  نداء يرتفع كالصلوات ، توسلات هى نفحة المخلوق تجاه الخالق ..

 

سبحت مع الفرحة ، مع كل الموج المتدفق حول الشطآن ، أغتسل وأتطهر من نبعها الدافق  ، أتجدد مع لا نهائية الآمال والإمكانات لأواصل الطريق .. ويا لها من وعود تتولد فى الآفاق لتمحو وعيد الزمن المرتد !..  وعود تزودنى بطاقة خلاقة  لتمحو الرؤيا المتفحمة .. أليس الماء رمز التجدد ، التجدد المادى والروحى ؟ رمز النقاء والحكمة ، والذوب حبا فى الله ؟..

  

جذبتنى الفرحة لأتعبّد فى الطاقة الكونية وذرّاتها المتدفقة فى القاع ، أمتزج برحيقها وأتوضأ  بدفء أنفاسٍ وهبتها السماء ، تدفقت مع انسياب البسمة ..  بسمة خاطفة كالرعدة ، ونقاء صوت الترتيل والدعاء يتألق وكأنه يتساقط  نقطة  نقطة ليفترش عنان السماء .. كأن ماء البحر يمحو الذكرى ويطمس التاريخ لإعادة الخلق من جديد ، فمياه الأمطار تمتزج بالبحر لتمحو ما فى القلب من دموع تجرى كالأنهار ، ورحت أتأمل عرش الرحمن لأسبّح فى الأبعاد ..

 

أعادتنى  الفرحة إلى عنان السماء ، وسط  النجوم  و الأجرام ، حيث انطلقت الأساطير من القلوب والبشر، نسيج من الأمنيات الصافية و الأحلام ، وسط  تجليات  متصاعدة  للطاقة  الخلاقة ، للبقاء ،  للقدسية ، أو لكل ما لا يمكن لمخلوق فى الأرض أن يصل إليه .. فالتصعيد الإلهى يتبين تلقائيا من استحالة المستحيل ، من لانهائية شاسعة ، من خلود قُوى خلاقة لا تنضب..

 

وملطتنى الفرحة ..

  

أعادتنى وسط كل ما يدور فى الطبقات العلا و إيقاعات الكواكب وتلاحق العواصف والصواعق .. قذفتنى فى سماء هى رمز النموس المقدس للكون ، فى حركات دائرية منتظمة الإيقاع .. دلائل لعالمٍ جديدٍ يتولد .. عالم غير مرئى الإيقاع  وسط  إيقاعات الكون المضيئة ، منبع النور، حارسة الأقدار والمصير.. وقادتنى الفرحة إلى مقار الآلهة والقوى المبدعة  وإلى كل  الأتقياء هناك .. كأن السماء هى أعماق الروح وشمس نابضة بالنور ..

 

جرفتنى الفرحة من شدة حدتها ، من قحط  صحارىٍ جفّت مآقيها ، وامتد فيها حوار الصمت ، فى أرض تشقق ملمسها ، واقفهرت .. وفجأة :  وهبنى الخالق بؤرة نور تتألق فى الأفق الأبكم !..  أسراب هو يا الله ؟! طيف من تلك الأطياف ؟!

 

وغمرتنى الفرحة ..

 

كان الصوت قد  امتد  رخيما ، عميق النبرات ، شديد القرب رغم الأبعاد.. تحول فجأة من الإبهام الكالح إلى  وجود يسوخ فى الأعماق ، وبدأ  حواراً متعدد  الأصداء ..

 

 ليته يتواصل يا رحمن ،

 

يتواصل نورا ،

 

 يمتد بعمق الفرحة ، فى زمن الغربة وعصر الأصنام ..

                                                          

12 /1 / 2007