فول ..

 

لا أذكر أننى نمت ليلة أمس. تدفقت الصور فى ذهنى فى تصارع لتحتل كل منها الصدارة برهة.. صور تنساب بصخب أخرس ، لا سبيل إلى إيقافه .. فاستسلمت لها وكأنها لا تعنينى !

 

" فرحة أمى بعودتنا أنا وأخى التوأم .. حجرتنا فوق السطح فى أحد حوارى حىّ عابدين بالقاهرة .. إزدحام المارة .. عم حسن ، فراش الكلية .. المدرجات .. دقات ساعة الجامعة المميّزة .. تضارب زى الطالبات ما بين الوقار والخلاعة .. صاحبة البيت، أو "المعلمة" ، وإبنتها بدرية ..مزاح بدوى أخى الذى لا يكل ولا يهدأ .. ورشة تصليح السيارات .. مقهى السعادة وصياح لايتوقف ..

 

صور تتساقط فى الرأس كالكدمات ، أراها بنصف عين عبر صداع معتم وأنين نبض لا يهدأ .. أصداء توالت حتى مطلع الشمس !

 

جلست على الفراش أتأمل ما حولى بعد غياب هو عام جامعى بأكمله .. فذلك كان شرط أبى لإستكمال دراستنا الجامعية : ألا نأخذ الطريق بين البلدين تسلية رايح جاى ! واهتزت عضلة فى وجهى فيما يشبه الإبتسامة .. كل شىء فى مكانه وقد أحاطه الزمن بمسحة من الحزن الخافت ، خليط من الأتربة والأشجان .. فاتجهت إلى النافذة وكأننى أود التأكد من أننى لن أرى تلك الأسطح والعشش الصفيح التى كانت تطالعنى هناك حيثما نظرت ! وامتدت إبتسامتى مع حقول بلدة نبروه ـ كان منزل الأسرة يقع عند حافة المزارع.

 

وفى لحظة وجدتنى فى طريقى إلى مكانى المفضل : شجرة الجميز العتيقة. واصلت السير بذهنى المشتت وهو ينعم بنسمة صباح هادىء السكون حتى جلست على أحد جذوع "جميزتى" الحبيبة ، وامتد نظرى إلى حقول الفول الأخضر الممتدة فى استكانة ، ومنها إلى ما وجدتنى قطفته أثناء سيرى ، بينما كلمة "فول" تتساقط فى الجوف بأصداء ورنين ..

 

كانت هذه هى أول مرة نغترب فيها عن قريتنا ، إذ كان أطول ما قطعناه من مسافة هى من نبروه إلى مدينة المنصورة حيث المدرسة الثانوية . إلا أن المقابل لنجاحنا تلخص فى صدمة الإغتراب والمصروفات! فاتفقنا على أن نتدبر أمورنا وألا نثقل على والدنا مهما كان السبب.

 

نظرت إلى يدى وما زالت تضم ما قطفته من أصابع الفول الحراتى وتساءلت ضاحكا : ترى كم عدد المرات التى أكلنا فيها الفول فى تلك الفترة ؟! وكان الأصوب أن أسأل كم عدد المرات التى أكلنا فيها شىء سواه ، خاصة كلما تباعدت أو تأخرت "زيارة" والدنا بما يحمله من خيرات.. وتبادرت إلى ذهنى جملة أخى بدوى ذات مساء، بينما كنا نتحدث عن أحوالنا وقد إحتل فيها الفول المدمس مكان الصدارة . فقاطعنى قائلا :

 

- ما لها عيشتنا ؟ غيرنا مش لاقيها !

 

- بذمتك ما زهقتش من الفول ؟ !

 

فقاطعنى باستنكار قائلا :

 

- يا متبرم يا ناكر للنعمة ! نسيت الفول بالبيض ؟ الفول بالطماطم ؟ بالصلصة ؟ بالكمون ؟ مش تحمد ربنا معاك طباخ ماهر ؟

 

ثم استطرد بلهجة مسرحية :

 

- يا متبرم أفندى ده إسمه : variations on "fool" melody ! وبالعربى يعنى : تنويعات على لحن الفول !!

 

 

 

ذلك كان طابع بدوى ، طابع المصرى البسيط ، الحامد لربه ، المتقبل لمصاعب الواقع بالنكات والسخرية ! وكثيرا ما كان يقطع صمت المذاكرة بأحد التعليقات ، خاصة بالإنجليزية التى ندرس آدابها ، ثم يعاود  وكأنه لم يقل شيئا !

 

والتفت على صوت بدوى صائحا فى أحد الأيام :

 

- هييييه ! سرحان فى إيه ؟! خد يا عم ، كتبت لك قصيدة ختاما للعام الدراسى !

 

وقبل أن أمد يدى لأخذها استوقفنى قائلا :

 

- لا يا عم هو انت تعرف تقرأ ! إسمع إسمع :

 

" كل يوم نتغدى فول         شىء وتاهت فيه العقول

 

  مين يا خلق الله يقول      إن ده يخلّص من الله ؟

 

  فول بزيت أحمر مشلفط   فى طبق م الزيت مزفلط

 

  جنبه عيش إسود ملخبط   بالذرة وما فهش غَلة !"

 

- بذمتك فاضى قوى للزجل حضرتك ؟ مش عارف إن الإمتحان قرّب ؟

 

- وإيه يعنى ؟ أعمل ندّابة ؟!

 

- المَلازم يا أخى .. المَلازم يا محترم للإمتحان..

 

- بسيطة ، ولا يهمك .. بدل ما نشترى فول نشترى ملازم ! ما لقيناش ملازم نشترى ما لزمش !

 

وتنبهت على صوت مسعدة ، إبنة الغفير، وهى تنبئنى أن طعام الإفطار والأسرة فى إنتظارى .. ويبدو أننى واصلت التجوال مع الذكريات ، فتنبهت على صوت أخى بدوى على مقربة منى :

 

- زايد بك .. الفطار جاهز وفى إنتظار سعادتك !

 

نثرت ما بيدى من ثمرات الفول الحراتى واتجهت إلى المنزل بصحبة بدوى. وما كادت والدتنا ترانى حتى قالت بشىء من العتاب :

 

- إيه يابنى ، من النجمة على برة ؟

 

ثم دفعتنا برفق إلى حجرة الطعام وهى تقول بفرحة الأم الطيبة :

 

- أما حتة مفاجأة يا ولاد ، أكيد نفسكم فيها من زمان !

 

فحاولنا إلتهام محتويات المائدة بنظرة واحدة ، بنفس الفضول : وليمة من الجبن والبيض والفطير المشلتت والقشطة والعسل ، تتوسطها كيكة مستديرة مجوفة. توقفت نظراتنا معا فجأة عند فكرة واحدة ، وانطلقنا فى ضحكة أصابت أمنا بشىء من الحرج ، فسألت بدهشة :

 

- مالكم يا ولاد ؟ إيه يا زايد ؟ طول عمرك بتموت فى الكيكة المخبوزة فى حلة الفرن .. فيه إيه ؟ اللهم اجعله خير

 

وكان لا بد لنا أن نطمئنها ، فقال بدوى مهدئا :

 

- خير يا أمى .. أصلى مرة حاولت أعمل كيكة و

 

فقاطعته باستنكار :

 

- وانت عمرك عجنت حاجة يابنى ! حقيقى انت شاطر فى الطبيخ ، لكن الحلويات لأ ..

 

- فقاطعت أخى قائلا :

 

- بذمتك ودى كانت كيكة ولا أسمنت مسلح ، أسمنت أخضر ؟!

 

- كيك إيه وأسمنت إيه يا ولاد ؟

 

وحاول بدوى أن يشرح لها انه ذات يوم أراد أن يكرم أخيه بأن يعمل له طعمية منزلى ، ثم اكتشف انه ليس لديهم زيت فالميزانية انتهت ، فوضع عجينة الطعمية فى حلة الفرن !! فأنبته الأم متبسمة ، بينما قاطعها بدوى وهو ينظر إلى أخيه قائلا :

 

- ح تروح منى فين السنة الجاية .. عموما فيه أكله أرخص من الفول لسه ما جربنهاش !

 

وارتبكت لحظة خوفا من مفاجآت بدوى ، فرمقته بشىء من التحدى ، فاعتدل فى جلسته ولم يجب بأكثر من كلمة واحدة :

 

- التبن !

 

وبينما التعليقات تنساب من حولى غاصت نظراتى فى طبق العسل ، لتتعداه إلى إبهام مطلق ، إلى الغد ، وأنا أتساءل فى صمت :

 

 " يا ترى ح يبقى عسل .. ولا تبن " ؟!

                                                            

1959