لحظات شك ..

 

استيقَظَتْ يقينا على صوته وهو يمسكها برفق ، قائلا بنبراته الحنون :

 

-     حبيبتى .. إصحى .. حا تتأخرى على معادك !

 

كانت تلك عادته إذا ما صادف وغلبها الإجهاد وخشى عليها أن تتأخر عن موعد عملها . واجتاحتها فرحة عارمة قبل حتى أن تفتح عينيها ، ثم فتحتهما فى حركة واحدة ، وتوقف جفناها كأنهما ينصتان .. إتقد ذهنها فجأة ، وبلا أى  تفكير، كاد ينبض ، و سرعان ما راح يعمل بتردد .. ثم توقف وهى تحاول أن تتذكر أى موعد ، فهى فى خدر متواصل ولا تغادر البيت ..  و جاهدت لتتبين موقعها فى ذلك الشعور الموحش بالغربة والضياع ..

 

جسد متخدر لا يستجيب .. هلاميات لا تتبينها ، تحيط بها وبذهنها المجهد ، وكأن جسدها فى واد  و وعيها فى واد آخر .. وفى ثوان ، اكتسحت تلك الفرحة بلمسة يده كل ما  برأسها من صداع وآلام  راسخة ثابتة  لم تفارقها منذ شهر ونصف تقريبا – منذ ذلك الحدث الباتر لكل كيانها وأبعادها ، و لا تذكر منه إلا الشذرات،  شذرات ترفض تصديقها .. ثم رمشت بجفنيها كمن يطرق باب الذاكرة الموصد بإحكام ، بينما  ضربات قلبها تهوى مدوية صماء ، متلاحقة فى جوف بلا قاع ..

 

وتنصت فى حذر : لا زالت تشعر بقبضة يده الدافئة على كتفها .. لقد لمسها فعلا ، يقينا ، نفس اللمسة الطيبة ، التى لم تعرف سواها على مدى عمرها معه !.. ثم عادت ترمش بجفنيها كمن يقلب الصفحات .. وفى ثوان ، تلاحقت الصور فى تناقض غريب عبر غلالة من الصفير و الطنين فى أذنيها ، ودمعة واحدة تصاحبها ، ثابتة ، توقفت خرساء ، لا تفر من ركن عينها ، ترقب فى هلع ما سقط  فى فجوة  نسيان قمعى ، وما يتلاحق فى غير ما ترتيب :

 

لقطة لمعزّين اكتظ  بهم البيت على اتساعه  وكأنهم فى يوم الحشر، ولم تفهم لماذا .. وجوه متشحة بالسواد لا تتبين لها أية ملامح ولا سببا لوجودها .. ضحكته الهادئة وهى تغمر كيانها فى صفاء البحر البللورى .. عبارات متكررة ملولة السواد والرتابة تتكرر كالإسطوانة الخربة ولا تفهم منها شيئا سوى اللغو و الطنين.. عبارات تتردد كالطبل الأجوف مع دقات قلب لا يحوى فى جوفه  إلا الهلع ، ولا تذكر من ماذا ! .. وما زالت لمسة يده تذوب  فى خلاياها  لتؤكد  لها  وجوده الفعلى معها .. فتجمدت فى مكانها . خافت تتحرك لكى لا تهز شريط  يجمع  ما بين الواقع والأطياف المبهمة ..  جدران خاوية من كل شىء إلا من أنين نحيب مكتوم .. عويل أصم يجلجل و يلهب جوف عظامها .. نحيب متشبث بالقاع ، قابع فى الرعب كمن يخشى النور  والإرتطام  بالواقع .. فراغ أخرس وبكاء تحجرت أصداؤه ، وما زالت نبضات يده تسرى فى نبضاتها .. ولولا يقينها بأنها فى غرفة نومها ، فى بيتها ، لتساءلت أين ترقد !

 

وجالت بنظرها عبر دوارها وخدر كيانها بكل الغرفة ، علّها تفهم .. وتوقفت عند عدة زجاجات وعلب أدوية متجاورة ، متراصة فى صمت على مقربة منها ، لم تتبينها  ، و لا مردود لها فى ذهنها وكأنها لا تنتمى إليها.. لقطات سقطت من الذاكرة وأخرى تطفو بلا رابط  أو أى معنى : أشكال هلامية تجثم عليها ، ولم تدرك أنهم كانوا يجاهدون  للحد من انتفاضات كيانها وخوفا من أن تتملّخ عضلاتها من عنف الرجفة ، وكأن الأقدار تتنازع عليها ! فريق يحويها فى رحابه تنفيذا لإرادتها ، وفريق يعيدها إلى الأرض لتستكمل قَدَرها ! .. دموع خرساء تتساقط  فى صمت ، تنساب من وجوه هلعة لا تتبين ملامحها ، مجرد هلاميات سوداء .. رجال يحملون محفة  مغطاه بحرير أزرق.. أنشودة كالجوقة  الصماء ، متداخلة الإيقاع  المكتوم : لا إله إلا الله .. تتردد وتتزايد ذبذباتها  لتفجر الجدران فى خيالها .. وغاصت فى زرقة بلا عوائق ، طافت فى لانهائيات متتالية الأبعاد ، وكأنه الطريق الممتد إلى ما لا نهاية ، طريق الأحلام و الآمال ،  أو الطريق إلى الله لتسأله ..  نوع من الخلود الهادىء ، كلون الحق ، يحويها فى أبعاده ..

 

واحتوتها الزرقة ..

 

سُحب وأبخرة تضم ضياعها وكل ما يحيط بها من إبهام وغيوم .. سبحت أو هامت عبر السماوات ولمسة يده لا تبارح كتفها ، تشع الدفء عبر الإعياء لتخلط الصور والرؤيا .. بدأت أنفاسها تتزايد وجسدها مسجى فى حالة موات  بلا حركة ، كأن إشارات المخ قد انفصلت عنه .. وبعد برهة ، تنبهت بتردد ، كمن ينصت عن بُعد إلى العدم .. راحت تتحسس الفراش حولها ببطء مرتاب . كادت تهلع ، لكن فرحتها بلمسة يده على كتفها كانت أقوى . فتشبثت بالفرحة ..

 

وفى لحظة ، بذعر غريب ، وببطء أغرب ، جالت بعينيها حول الغرفة دون أن تتحرك – وكأنها تخشى رج خيالها وتخشى غلبة كابوسه المعتم : " كل شىء فى مكانه كما ألفت ..لا يوجد أي دليل على السواد ، ولا أثر للون الأسود ! كل شىء مرتب منظم كما اعتادت ، إلا ذلك الفراغ الأصم " .. سقط عن ذاكرتها أنها قد غابت ستة أيام فى غيبوبة كاملة متواصلة ، فقدت خلالها ثلاثة عشر كيلوجراما من وزنها  النحيل ، قرر خلالها ثلاثة أطباء استحضرهم ذويها تباعا : أنها ميتة لا محالة ،  ثم  رجوا أن يتركوها لقدرها حتى ينفذ أمر الله ، فالصدمة أقوى وأعتى ولن تنجو منها .. وترتفع لقطة باهتة  لترى رغاوى بيضاء كالحمم تطفح من فمها  ، و خراطيم نحيلة مدلاه تنغرس فى ذراعيها ، وجسد موثوق بالفراش للحد من رجفاته العصبية الحادة، ولا مردود فى ذهنها لكل ما يمر بخيالها .. مجرد صور تشرئب  باهتة اللون لا تفهم لها  معنى ..

 

والأعماق ؟! ..

 

 يسود فيها الصمت  الأكمه ..

 

وفى نفس اللحظة انتقل نظرها إلى قميص نومها الوردى وهى مسجاة بلا حراك ، فاتسعت البسمة  مع الذكرى ..

 

 " وكمان كريستيان ديور" !

 

-     "أجمل ما وجدت فى باريس ، لأجمل من رأيت فى الدنيا .."

 

طبقات رهيفة وردية من الحرير و الدانتيلا ، تبدو  بداخلها  كالبالرينا الهيفاء،  تسبح وتتراقص بين السماوات العليا.. وما كادت تفرح بالمشهد حتى صدها ذهنها كمن يتحدث عن ذات أخرى أو كمن يوقظها غصبا عنها  : " منعوكى من النوم فى قميص أسود " !  وارتعدت .. أيهما الواقع  يا الله ؟!

 

كادت ترضخ لكابوسها . توقف كل شىء فى ذهنها وهى تتساءل إن كانت يقظة أو تحلم ؟! ..  " هل مات حقا ؟ " محال ، وأى محال ، فنبضات يده بدفئها لا تزال تشعر بها على كتفها الأيمن ! بل  راحت تبدو لها أقوى وأوضح .. فاتسعت ابتسامتها باطمئنان ، تتحدى ترددها وهى  تناديه ! لكنها نادته بحرص متوجس كمن يخشى الصحوة !

 

وأجابها الصمت .

 

فراحت تطمئن نفسها قائلة : " لا بد أنه يستمع إلى الأخبار بعيدا لكى لا يوقظها " .. فعادت تناديه وقلبها يهوى بضربات جوفاء مرتعدة . وسكتت . راحت تنصت باهتمام الرافض لدليل يخشاه .. فجذبت نفسا طويلا وهى تكتم سعادتها وقد تعلق نظرها بباب الحمام  قبالها .. " انه فى الحمام ، يحلق ذقنه " .. وكانت تلك عادته قبل أن يصبّح عليها كل يوم ، لكى لا يخدش بشرتها !  ولا تدرى كيف قفذت إلى الحمام قبالها فى خطوة . لكنها هوت على الأرض .. ابتلعها دوار عارم .. وبعد فترة ، نهضت ببطء وهى لا تفعم ما الذى أوقعها !

 

نهضت بعناد ماسكى السراب الأبله ، فتحت باب الحمام بحرص شديد ، كما كانت تفعل أحيانا لتناديه ، إن كان هناك من يطلبه على الهاتف ولم يسمع نداءها .. لكنها لم تجد بالحمام سوى الفراغ  الأسود . كان الحمام خاويا من كل شىء إلا من ذلك الصمت الأجوف .. فتسمرت بالباب تغالب تخبطها ودوار هلعها .. كادت تهوى .. أين هو ؟ أيهما الواقع يا رب ؟! وامتدت يدعا إلى كتفها لتلامس يده .. فهوت على رأسها عبارة بصوت غريب . مجرد كلمة ..

 

صرخت فى عناد المستحيل .. مات ؟! لا يمكن ، ولمسة يده ؟! لا يمكن ، وقد تواعدا ان يموتا معا  ! لمسة يده ما زالت فى مكانها .. فعادت تتحسسها ، تربت عليها  .. وانتبهت كمن تذكر شيئا فجأة : " أنه فى المطبخ ، يعد القهوة ! " .. واستندت إلى باب الحمام وهى تستجمع قواها  لتهدأ .. وتحوم الأصداء .. كانت تُحرج من رهافة خلقه  الكريم ، كم حاولت ان تثنيه عن عمل القهوة صباحا ،  لكنه كان يربت عليها باسما ، يرجوها أن تسمح له بفرحة أن يقدم لها شيئا فى الصباح ، فهى تعمل طوال اليوم بلا توقف !  فاستندت إلى باب الحمام وهى تستجمع قواها ، لتهدأ ، لتلقاه .. تنفست فى شهقة خاطفة لتلحق به فى المطبخ ، تحتضن خصره ويسيران جنبا إلى جنب وهو يردد : " حبيبتى ، حاسبى القهوة " ..

 

راحت تعيش صوته بإصرار لاهث .. اجتاحتها الفرحة كموجة تغلف كل كيانها ، فألقت بدوارها وكابوسها و بكل ذرة شك عبرت فكرها وخيالها ، أغمضت عينيها تستجمع  قواها  لتنطلق  كالقذيفة  دفعة واحدة إلى المطبخ .. وارتطمت .. ارتطمت بكل كيانها بالباب الموصد .

 

غاصت فى الصفعة لتقع على الأرض من هول الصدمة .. وبعد فترة ذهول ممتدة ، دهمها فيها جبروت الواقع ، اعتدلت فى جلستها على الأرض. سكتت. سكتت فى عناد جريحٍ مكلومٍ فقدَ كل شىء فجأة ، بينما خيط  من الدم الدافىء ينساب ببطء من أنفها ليستقر على قميصها الوردى .

 

و زاغ بصرها فى تلك النقاط  المتتالية ..

 

راحت البقعة  تتسع ببطء تحت عينيها  وكأنها تتشربها ،  بينما المنسوجات الرهيفة تمتصها لتزيد من اتساعها .. صفعة ؟!  من باب موصد ؟!

 

 يعنى بجد ؟!  ..

 

لا تدرى كم بقت فى تلك الجلسة على الأرض ، تستعرض فى ذهول ، تلوك ذكرى صور مبتورة ، لتضفى عليها شىء من المنطق ..  تجتر ما لا مردود  له فى خيالها ..

 

وفجأة ، وفى حركة عنف مجنونة باترة ، كمن يزيح عنه زيف الدنيا        وغدرها ، مدت يداها إلى فتحة الصدر و شقّت قميصها  على اتساع  ذراعيها، وهى تدفن  وجهها بين كفيها، ترتج وتصرخ فى صمت ،

 

وتغوص فى الصمت لتتفحم  بالسواد  أعواما ..

 

1982