لقاء إرتطامى .. 

 

ما أن التقت نظراتهما ـ بينما كان يتم تقديمه إليها ، حتى اهتزت أعماقها.. ارتجفت وهى تشعر بنفس الرجفة تسرى فى أعماقه عبر عينين هرمتين .. عينان هرمتان تستفسرانها باندهاش عبر الزمان .. عينان مجهدتان رغم بريقهما الحاد ، وكأنهما قد ملاّ البحث عنها فى تضاريس الحياة !

 

تداخلت الرؤيا بارتطام كاد يجرف كيانهما .. فمدت يدها لتصافحه بنفس الصرامة الخاطفة التى اعتادت أن تصافح بها ، بينما ذهنها يتابع باندهاش ما سرى فيهما من تيار متوهج  و اهتزازات لم تتعرض لها من قبل ، أو على الأقل ليس بهذه الحدة الواضحة .. ففى خضم من التقت بهم فى محيط الجامعة أو فى المحافل العلمية المحلية والدولية لم تشعر بأكثر من "انهما قد التقيا من قبل وربما فى حياة أخرى ! " – وفقا لما كانت تطالعه من قراءات فى المجال الروحى..

 

راحت تتابع الحوار بنصف انتباه بينما النصف الآخر يتابع فى صمت تلك اللقطات المنهالة عليها عبر قرون مضت .. لقطات سحيقة تعصف بكل ما عاشته وتعيشه داخلها ، وتتابع فى نفس الوقت ما يدور فى أعماقه و فى رحابة ذلك القلب الذى كم سبحت بين شطآنه .. تحولت حواسها بقشعريرة عارمة إلى ذبذبات أو اهتزازات كادت تفصلها عن ذلك الجسد المادى .. بل خيّل إليها للحظات أن جسدها الأثيرى قد انفصل و تداخل بأثيره فى امتزاج خاطف كالذوبان الفجائى ، ثم استقرا فى جوف واحد .

 

لاحظت الإضطراب الذى حاول التحكم فيه بشىء من الضيق الواضح من عدم انتظام أنفاسه. وبينما كانت تتابع مواصلة الحوار الدائر حولها و خارجا عنها ، توقفت نظراتها على برج إيفل المتلألأ بالأنوار من خلفه ، عبر نافذة الفندق المجاور للبرج ، وسرحت برهة وهى تخترق نظراته و تساؤلاته الثاقبة فى لمحة ، بينما الماضى ، الماضى الخارج عن هذه الحياة ، يغزو ذاكرتها بضباب و رنين .. ترى أين إلتقيا من قبل ؟ فى أى زمان أو فى أى تجسد سابق ؟! ترى ، هل له صلة بالبرج الشامخ من خلفه ، أم بتلك الواقعة التى عاشتها عند زيارتها لمبنى  "الإنفاليد" منذ سنوات ، حيث يرقد نابليون ؟ أم له صلة بتلك اللوحة  التى فقدت الوعى أمامها فى متحف "ميلانوف " ببولندا ، وهى تصيح وقد تحولت اللوحة أمامها إلى واقع عاشته للمرة الثانية وهى تقول صارخة : "لقد فقدته بعد تلك الحادثة "! وارتسمت أمامها نيران القصر المشتعلة وهى تفر معه بعربة "الترويكا" ، فانفصلت عن جسدها من عنف الصدمة .. واعتصرتها قشعريرة حادة.

 

كانت عيناه تزدادان ضيقا وعمقا  وهما تخترقان ما تحملانه من محن وأعباء ليتأملها. كان يجلس كملك الغاب : قويا شامخا فى هدوء طيب ، سيدا متحكما ، تشوبه نصاعة مضيئة  كأنه رمز للشمس بوهجها .. لا ، كأنه رمز لسلطة العظمة ، لعدالة راسخة فى زمن لا عدالة   فيه .. كأنه كائن لا يقهر ! كانت هيئته توحى بأنه يمثل القوة التى لا تعرف الهزيمة أو هى تلفظها .. سلطان لا يقهر !  وابتسمت لكل  ما رأته من وراء طبقات هيبته ، فمن وراء ذلك السكون شبه الخامل ، الذى لا يحجب عنها  الجهد المحتد الجموح ، راحت ترى جهدا لا يمكن ترويضه ، يكاد يلامس بقوته عظمة الآلهة و غموضها ..

 

وراحت تتابعه ..

 

كان يدير رأسه بهدوء شديد ليرقب الحوار فى صمت ، ثم يلقى بكلمة مقتضبة أو بعبارة  من حين لآخر .. يالها من صورة قريبة للعدالة القابضة بحزم ، المطوّقة ، الضامنة للسلطة المادية والروحية .. صورة مجازية للمعرفة الإلهية فى كبرياء و سخاء ..

 

وتبادر إلى ذهنها : أمس و اليوم ..

 

أمس الزمن الغائر فى الماضى ، ويوم الزمن الممتد فى إبهام المستقبل .. و هالها أنها لم  تشعر حياله بالقلق أو بالرهبة .. بل أدهشها ، مع تلاحق النبضات و اللقطات بارتطام فى خيالها، على خلفية من موسيقى الفضاء الخافتة ، أنها كلما نظرت إليه شعرت بالحماية والإطمئنان .. كأنه يبعث إليها  بشعور يعبّر عن فرحة الحياة ، عن الطموح ، عن الخيلاء والسمو .. وفى لحظة ، خالته كالشعلة المشعّة وسط  وهج النور .. فابتسمت فجأة وكأنها تراه قد خُلق ليجعل الحياة تتغنى  بإطلاق  فرحة  مدوّية فى سماء مصيرها !

 

انتهى العشاء ووقف الجميع لتبادل التحيات. كم هاله أن يكتشف أحد الحاضرين ما  يعتريه من تمزق دفين لمغادرتها .. لكن ما رآه من تطابق لمشاعره فى جوفها قد طمأن  قلبه ..  فمدت يدها لتحييه بنفس  الصرامة الخاطفة ، بينما الاهتزازات العارمة تسبقها ..

 

أمضت  " ليلة بيضاء" كما يقول أهل الفرنسية ، ليلة لم تغمض لها عين فيها ، يقظة شديدة ، وذهن يعمل فى دأب رهيب وسط الظلام .. كانت تراه فى نفس حالتها .. فجاهدت لترتيب الأحداث .. لفهم معنى الملابسات و المشاعر .. لاستيعاب معنى العبارات و الأرقام التى تفوه بها فى مكالماته الهاتفية الخاطفة المتوالية عبر أجهزة المحمول الثلاثة التى يحملها ، ولكل منها لون ورنين ! راحت تتأمله على شاشة جبهتها فى الظلام ..

 

لا تدرى لماذا خالته كتلة ؟! كتلة من الكبرياء الشامخ ، لا يعرف الإنحناء .. مرفوع الرأس دوما .. وتبعتها صورة بشوش أقرب ما تكون لشقاوة الأطفال ! ويا له من تناقض ، صفة من صفات آلهة الأولمب ، و عفرتة أصغر المخلوقات الآدمية براءة !  ثم راحت تتمعّن  فيما لمحته من صفات و كأنها طفلة تستكشف طريقها فى الأدغال .. إجتماعى بهمّة معطاءة ، رائع اللامبالاة .. يكره العتامة والملل .. أبعد ما يكون عن الإنطوائية .. يتصرف وكأنه يمتلك الحق الإلهى لقيادة الآخرين - حتى وإن كان عن طريق النصح أو الإرشاد . وابتسمت فى صمت لنظرته الكسول .. لذلك الكسل الشكلى ، لأنها - وفقا لما شعرت به ، نظرات تكشف عن سمو راقى و إمكانيات رائعة ، وإن بدت لها ضائعة تائهة . ودهشت لوضوح سرعة جرح تلك الذات الراسخة بشفافية غريبة ، رغم شدة  الدهاء و المهارة ، رغم عمق التجارب و المحن .. وتداخلت الرؤيا مع ما تعدده من ملاحظات : إنسان منظم ، رائع الهدوء ، موزع حكيم للمهام و الواجبات، خليط  من التسامح و الإئتناس ، مشارك وجدانى  بلا افتعال .

 

وغاصت فى ذلك الصدر الرحب كما اعتادت أن تفعل فى زمن آخر ، وانكمشت لرؤية آلام عارمة من الوجد فى صراعه مع الحياة ، كأنه مغامر حتى النخاع ، مغامر خارق فى مواجهات متعددة الجبهات .. وبعد برهة ، حاولت تلخيص ملاحظاتها عنه فى تلك  الأمسية : صديق مخلص بضراوة ، خلاق مبدع .. وفى إيجاز آخر راحت تقول : وقار حقيقى دفين ، قلب ناصع ..

 

انتقلت من تقييم أو تحديد ما  رأته ، إلى ما اجتاحها من مشاعر وهى تتساءل عن دافع أو عن صدق تقييمها ..  وفجأة انبثق اسم الأديب الفرنسى ستندال ليحتل الصدارة فى مخيلتها !  ستندال ؟!  أفضل من تحدث عن الحب بأنواعه الأربعة و بدرجاته السبع ! .. بللورات نحيلة ، دقيقة ، ناصعة البياض ، تتراكم عبر الزمان على الأغصان .. على الوجدان .. حتى تتبلور  فى نوع ما ، بدرجة ما .. وانسابت الأعمال الدرامية التى  عاشتها و عايشتها فى الخيال أيام دراستها الجامعية .. وكأنها بكلها  أعمال تعتمد على محور أساسى : صراع الحب و الإرادة .. فالحب يهزم الأبطال ، ويخلق البطولات .. وبدى لها الصراع العاطفى بوتقة تنصهر فيها المشاعر ، الغموض و الإبهام ، التطاحن بين الرغبات و الواقع والقيم أو حقيقة المصير .. وذلك البحث الطويل عن " الروح الشقيقة " .. البحث عن الآخر الكامن فى الأعماق ..

 

لقد وصفه بعض الأدباء بأنه طاقة . طاقة مبهمة . توقظ . تمزق . توحد . تحيى وتولد أعنف المشاعر .. ضيق وإختناق ، سمو و تسامح .. وقال البعض هو أدب العقبات و الإفتراق ، الإمتلاك الهدّام من جانب ، أو من الجانبين ؟! أنه التضحية حبا ، والتنازل حبا ، والتمزق بالتناوب بين الإتحاد أو العدم .. ياله من جرح جامح و لهيب ملتهم يسرى فى النفس كما تسرى النار فى الحطب !

 

إلتفتت فجأة على رنين حاد يجذبها بعنف من خيالاتها . قطبت حاجبيها وهى تعتدل فى جلستها ، تتحسس موضع زر النور بيد وتمسك بسماعة الهاتف بيدها الأخرى ، بينما عينيها تبحثان عن الساعة لتدرك موقعها فى زمن مبهم ، فقرأت : الثامنة !  وأتاها صوته باقتضاب عبر  أثير ممتد مشحون : " أنا مضطرب  . لم أنم . يجب أن أراك. سأمر عليك فى السابعة مساء " !

 

تقاذفتها الأمواج فى تلاطم ، فهى أيضا مضطربة . وهى أيضا لم تنم . وهى أيضا يجب أن تراه لعلهما يتعاونان على كشف شىء من حُجُب الماضى التى تُحجَب عنا  فى تجسدنا  كما يقولون ..

 

كان باقيا حوالى ساعة ونصف على بداية جلسات المؤتمر . فقررت أن تقوم بنفس جولة السير الصباحى المفروض عليها صحيا . تابعت نفس رصيف الفندق إلى آخر ذلك الطريق عند  التقاطع الميدانى الكبير ، لتعود أدراجها. ساعة من المد السريع ، علّها تعاونها على مواصلة اليوم بلا نوم .  و فى أثناء سيرها راحت تستعرض الأحداث منذ وصولها مع تركيز إنتباهها فيما بين ضبط التنفس وإيقاع الخطى ، ومراقبة الطريق و تحرك السيارات لعبور التقاطعات الجانبية ! وفى طريق العودة ، شعرت بقوى تستوقفها بعنف رهيف ، أو توقف حركتها موجهة رأسها - بنفس العنف الرهيف ، جهة اليسار . لم يكن هناك من يلمسها . أدركت أنه يتعيّن عليها أن تدرك شىء ما مما تراه ، أو أن ما تراه له علاقة ما بحياتها ، فكثيرا ما عاشت هذه الملاحظة  الغيبية .. وراحت تنظر علّها تفهم..

 

شجرة رائعة .. شجرة بلا ظل ولا أصداء .. بللورية ، حادة الخطوط ، رشيقة العود. شجرة فاحمة السواد .. جذع ممتد فى تراقص ، تعلوه الأغصان المتناغمة فى شبه استدارة وكأنها كرة أرضية  تقف  على  محور شبه مائل ! شجرة رقيقة مليئة بزهور وردية ناصعة متألقة ، أشبه ما تكون بكؤس مستديرة ، فى حجم اليد الممسكة بالدعاء .. تسبّح و تبتهل للخالق الذى أبدعها .. ويا لها من شجرة فاحمة الجمال ، جرداء من أى ورقة . مجرد أغصان نحيلة سوداء ، تعلوها زهور وردية مشعّة متطلعة إلى السماء . وابتسم كيانها وهى تردد : " بمبى " ! ذلك اللون السماوى الصافى ، أول ما نطقت به فى حياتها قبل أن تتم عامها الأول ..

 

تداخلت الطفولة بالرؤيا و الزمن الممتد فى سعة الكون من حولها .. وواصلت تأملات الليل فى النهار .. راحت ترقب الشجرة ، ترقب ذلك الكون الحىّ المتتالى التجديد و البعث . رمز الحياة الدائمة التطور ، الحياة التى تصبو إلى السماء ، وكأنها رموز الكون الثلاثة : العمق الدفين بجذوره الممتدة المتشعبة فى الأغوار .. الظاهر للعين بجذعه المحورى و تفرعاته .. والأطراف المترامية أو النهايات ، تلك الأنامل المتجهة إلى أعلى لتلامس ضوء السماء و تتداخل معه وكأنها تربط  السماء  بالأرض .

 

راحت تتأمل ذلك المحور الغريب ، رمز العلاقات القائمة بين الأرض و السماء ، وكأنه الطريق المتصاعد الذى يمر به العابرون من المجال المرئى إلى اللامرئى ، أو كأن شفعاء السماء يمرون عبره ليصلوا إلى الأرض بترانيمهم .. شجرة هى رمز الحقيقة الممتدة فيما وراء الواقع ، تتخطى ازدواجية الظاهر لتنقلها إلى وحدة الكون ..

 

وراحت تعبث فى خيالها ، فالشجرة فى علم الأساطير تمثل القوى النامية المتطورة المرتفعة من الأرض إلى السماء بتنويعات متعددة ، منها شجرة الحياة ، والحياة النباتية ، وشجرة اللا وعى .. فالشجرة - وفقا لما قرأته ، ترتفع فوق مستوى التأمل ، إلى المجال الكونى، تعبر حدود الظاهر لتغوص فى أعماق الباطن وتُدخل فيه الإلهام .. وفى لحظة، رأت الشجرة وكأن جذورها تغوص فى السماء ، فى السموات العلا ، تمتد أغصانها كالآشعة للأرض لتغرقها فى سعادة إلهية لم  تعرفها من قبل .. فالشجرة بأغصانها  بأوراقها  بأحقابها المتتالية تشير إلى دورة الموات وإعادة الحياة مئات المرات .. موات وإعادة .. مثلما ننام ونصحو ، أو نموت  ونتجسد ..

 

وكادت تواصل سيرها إلى الفندق وهى تتساءل : " أتلك هى الرسالة التى يُراد منى أن أفهمها ؟ أم أن هناك شىء آخر ؟! " .. إلا أن الزهور الوردية قد استوقفتها بجمالها المتفرد ، كأن الخليقة و الشمس تنبعان من قلبها المتفتح .. و تمنت أن تعرف اسمها .. ولا تدرى ما الذى أتى إلى ذهنها بذلك المقطع من الأدب الهندى بينما نظراتها تغوص فى الزهرة : " أنا كالزهرة الطاهرة ، رائعة ، لم تلوثها الحياة .. رمز التوافق بين الماضى و المستقبل .. رمز التفتح الروحى و الإنسجام الكونى .. رمز تحقيق الإمكانيات الكامنة فى أعماق الإنسان ، فالقلب أيضا زهرة مقفلة " .. وأضافت وهى تتحرك عائدة مسرعة الخطى : "رمز الحنان و البراءة ، رمز الحب الجارف فى الأعماق ، بل هى رمز التطهر النهائى للروح والميلاد الأخير .. أو .. ما يمكن بعثه من جديد ..

 

" البعث من جديد"  .. "الميلاد الأخير" .. وتساءلت فى صمت وقد تداخلت قراءاتها المتعددة فى مجال لا يقره العديد من الذين تعرفهم : " ترى أهو آخر تجسد نلتقى فيه ؟ "  أذلك هو المقصود من تلك الوقفة ؟! .. لم تفهم كيف واصلت متابعة المداخلات فى المؤتمر ونبضات تلك الشجرة ما زالت تحتل كيانها ، بينما موعد السابعة يقبع فى صمت .

 

" فندق جورج الخامس ـ فور سيزون " .. وتبادر إلى ذهنها مقطوعة رافيل "الفصول الأربعة " لتنساب فى أبعاد نغماتها . فعبارة الفصول الأربعة لم تترجم فى ذهنها بأنها اسم لأغلى وأفخم وأعرق الفنادق فى باريس ، وإنما انعكست فى خيالها بمعنى اكتمال عام باسره .. حلقة ما تتم  وتنتهى .. كانت تتلمس الإشارات . تترجم . تلاحظ . تترك نفسها  تنساب كطفلة وديعة فرحة بصحبة والدها الحنون رغم تقاربهما فى العمر . وقبل أن يدخلا الفندق سحبها من يدها إلى محل العطور الملاحق له ، وطلب من البائعة : " عطر قائم على الفل " .. وتسائلت فى صمت " أهو حنينه لمصر التى مُنع من دخولها ، أم مجرد صدفة ؟ " وراحت تستنشق ما تعرضه عليهما البائعة واختارا نفس العطر.

 

كانت تعجب مما يدور ، وأكثر ما تعجبت له هو كيف تتعرف إلى شخص بالأمس ، ويطلب منها أن تخرج معه فتقبل ، ويهديها عطرا فتقبل وكأنها بكلها أمور طبيعية ! فاسطحبها إلى الخارج وهو يقدم لها الكيس الأنيق ، فأخذته دون حتى أن تشكره وكأنه أمر مألوف بينهما !

 

مرت لحظات من الصمت بعد أن جلسا فى قاعة الشاى ، ثم طلب منها أن تحكى له حياتها . فنظرت إليه بشىء من الدهشة  الحادة وهو يقاطعها موضحا أنه لم يقصد الحياة الدنيا وإنما تجاربها مع العالم الآخر .. وكلما استمع إلى الشذرات المقتضبة كان يدرك أنه يتعامل مع إنسانة غير تقليدية لا علاقة لها بتجاربه.. وتمتم فى الأعماق : " لقيّة العمر " !! وسمعته أو بالأحرى انتقلت العبارة من ذهنه إلى ذهنها ، فتوقفت وهى تتأمل المعنى المزدوج لهذه الكلمة. وكاد يلومها  وهو يطمئنها بنظرات جد فرحة بلقائها . وحينما طلبت منه أن يقص عليها ما فى تجاربه قال باقتضاب بينما انتقل ذهنها إلى واقعة تلك اللوحة :

 

ـ  تعرفين من أنا تحديدا ، وتعرفين أنك كنت زوجتى ، و أننا عشنا معا من قبل فى حياة أخرى ، وستظلين زوجتى ، بل سأرتب الأمور بناء على ذلك و

 

فقاطعته بهدوء قائلة :

 

ـ  كونك كنت زوجى ، أو أننا عشنا أجمل قصة حب فى زمانها ، أو كونها انتهت بحادثة ( وانتقل نظرها من عينيه إلى تلك الشجة العريضة فوق حاجبه الأيسر ، ثم انتقل تلقائيا وكأنها تعرف مكانها ، إلى ظهر يده اليسرى وكادت تربت على كل ما يعلوها من نُدب عريضة متعارضة .. كانت تعلم من قراءاتها أن الإنسان عادة ما يتعرض لنفس الواقعة أو لنفس الإختبار، إن لم تكن المتعلقات به قد حُسمت ، أو لها توابع فى الحياة التالية .. فاعتدلت وهى تشعر به يقرأها لتواصل ) كوننا كنا أزواجا فى حياة سابقة فذلك لا يعنى أن تكون هذه العلاقة قائمة فى هذا التجسد ، خاصة وأن الظروف  ل

 

ـ  أية ظروف ؟ لا توجد ظروف  أ

 

ـ  أننى أنظر إلى الأمر بموضوعية . أنا شخصيا لست مرتبطة بأى إنسان . ومن الكلمات القليلة التى تابعتها فى حوار الأمس أدركت منها أن هناك عقبتان  أساسيتان

 

ـ  عقبات ؟! لا توجد عقبات

 

فتنفست ببطء عميق لتواصل بنفس الموضوعية العقلانية :

 

ـ  وضعك الإجتماعى ووضعك المالى .. أنت أنسان مستقر ، لك أسرة ، لك زوجة ، لك ..

 

ـ  ليست لى أطفال ولا يعنينى أن يكون لنا أ

 

فضحكت وهى تقول :

 

ـ  الأمر غير وارد فى سننا وقد تخطينا الخمسين ، لكن من الناحية الإجتماعية أنت متزوج . مرتبط . ومن الناحية المالية تتعامل بأرقام تشير إلى أنك من كبار رجال الأعمال هنا فى باريس وفى عدة بلدان .. ولا يمكننى مجاراتك فى هذا المجال ..

 

ـ  ليس مطلوب منك أى شىء 

 

كانت هناك فى أقصى القاعة لوحة تجذب انتباهها باهتزازات غريبة ، وكلما حاولت تناسيها عادت تشد انتباهها. فقامت و كأنها ودت التخلص من هذا الإلحاح . وما أن إقتربت حتى توقفت . تجمدت حركتها .. كانت نسخة لتلك اللوحة التى فقدت الوعى أمامها منذ سنوات ! وعادت لتجلس وهى تعتذر لقطع حديثه وما زالت تستغرب أنه لم يدرك معنى قولها .. كانت أول مرة تشعر فيها أن الحوار الأثيرى بينهما قد اختلف . اختلفت ذبذباته. فركنت هذه الملاحظة جانبا ، كما اعتادت أن تفعل بكل ما يعترض الخط الأساسى فيما تقوله أو تفعله . فقالت بصورة أدرك معها أنها تنهى اللقاء :

 

ـ  لا شك فى أن كل ما شعرنا به واقع يقين ، فهى مشاعر لا يمكن افتعالها ، ولا شك فى أننا كنا زوجين ، متحابين بشكل اسطورى ، ولا شك فى أننا سعداء بهذا اللقاء .. بهذا اللقاء الإرتطامى النزعة ! .. لكنها مشاعر يجب أن تقنن فى إطار الممكن المتاح وفقا للظروف التى خُلقنا فيها هذه المرة ..

 

ـ  وما المشكلة ؟

 

ـ  المشكلة أن العلاقات أو المشاعر الإنسانية لا تحسم كالصفقات !

 

وحينما انطلقت بهما السيارة الفاخرة قال للسائق بهدوء وثقة :

 

ـ  سنوصل زوجتى إلى الهيلتون ثم نذهب إلى الماريوت .

 

ساد الصمت وزادت الخلجات المضطربة للفراق. التفتت إلى يده البعيدة عنها وهى تعبث بشىء كمن يوازن بين أمور .. ولمحت سلسلة أو سلاسل . وبعد أن التقت نظراتهما بفترة، مد لها يده وهو يفتحها  دون أن يتفوه بكلمة .. راحت تتأمل محتواها وكلها ذبذبات خافتة : سلسلة مفاتيح وسلسلة بها دلاية بيضاوية عليها آية الكرسى وخاتم حريمى ضخم ، من تلك الخواتم التى كانت سائدة فى الأربعينيات .. اعترتها هزة خفيفة وهى  تدرك أنها من ذكريات الأم .. فضمتها فترة وقلبها يختنق " حاول أن يهديها أعز ما بقى له من أمه " .. فتمالكت لتقول فى جوفها بنفس الصمت وهى تعيدها له ، فى نفس اليد ، وقلبها يقول له " ذكرى الأم لا تُهدى .. أعرف مكانتى عندك " .. لكننا فى  زمن آخر..

 

جاهدت وهى تستجمع تركيزها لتعد حاجياتها للسفر فى الصباح الباكر . كانت أول مرة تصّر فيها على ألا يوصلها أى مسؤل أو أى أحد ، ولا حتى هو .. ، ولم يعارضها ، بل استراح لقرارها ، .. كان ذلك الشعور ينعكس عليها بخليط من موجات المرارة والتمزق والإندهاش ، نوع من القسوة القاسية فى اقتلاعها ما بين الماضى والحاضر ..

 

ارتمت على المقعد فى استرخاء مستسلم .. راحت تسترجع كل اللحظات .. عباراته .. نظراته .. وفى حركة فجائية اعتدلت وهى تلحظ أنه لم يقل لها أى شىء عن نفسه ، عن تجاربه فى المجال الغيبى ، عن عالمهما من جانبه أو من خلال رؤيته .. عن عالمه الدفين الذى ارتطمت فيه لتستقر فى أعماقه .. أكان حقيقة أم خيالات ؟!

 

          لم يقل لها أكثر من تلك الشذرات التى التقطتها من حوار الأمس ، ولا علاقة لها بما ودت سماعه .. لا تعرف عنه أكثر من اسمه ورقم هاتفه الذى كتبه لها على ورقة فى المطعم ! وغاصت فى الصمت .. اضطربت رغم اليقين ! ـ إن كان هناك  ثمة يقين .

 

وفجأة تذكرت العطر وأنها لم تنظر حتى إلى شكل زجاجته بل ولا حتى تعرف اسمه. فقامت لتأخذه من الكيس الذى كانت تركته عند باب الغرفة لتضىء النور ، لتضعه فى شنطة الثياب. وما كادت تخرجه حتى احتوتها رجفة خاطفة . كانت العلبة كبيرة ، أكبر حجم فى زجاجات العطور ، وعلى جوانبها الأربعة رأت نفس أفرع الشجرة بزهورها الوردية !

 

فسكتت..

 

وبينما أفكارها تتلاحق فى سرعة و تضاد ، راحت تبحث عن اسم العطر وكأنها شبه تائهة .. توقفت يدها عن تقليب العلبة وهى تقرأ باللاتينية : " الليجوريا " ..  وبهدوء شارد غريب راحت تتسائل كمن يسترجع الزمن بدهشة : " الليجوريا " ؟!

 

 ثم راحت تتابع فى ذهنها لتترجم العبارة  " مجازيا ، أو.. ما وراء الواقع "!

 

 والمجاز لغة هو تجاوز ما وُضع له من معنى !..