ماساة  كردية ..

 

إمتد الحطام على مدى البصر ، رغم صمود الأبنية  بلا أية شروخ .. مجرد صمت الغدر الجبار ، والإقتلاع ، والخراب .. صمت رهيب يعوى بلا صوت ، كأن أحد آلهة الدمار قد مر بجحافله العاتية ،  ثم فروا هربا من هول ما خلفوه !..

 

حطامُ غريب ..  حطام خيم بسواده مع توقف الزمن فجأة . توقفت الحياة بناسها وأهلها و بكل ما هم عليه .. توقفت بالرجال  والنساء والشيوخ والشباب .. حتى الأطفال الرضّع  أطاحت بهم  ضربة عاتية الجبروت ..

 

كانت تسمع حشرجة أنفاسهم وهى تتأمل المأساة وكأنها ترديدٌ لأصداءٍ فى ذاكرة الكون .. حشرجة غريبة  تتداخل بأنينها آلام متزايدة الحدة واللهيب ،  يفرون منها بها ، وهى بداخلهم .. يستنجدون  بالفرار ، هائمين فى تخبط  ، من نيران آلامٍ  إلتحمت بهم ولا سبيل إلى إنتزاعها .. ولا الخلاص منها .. تنهش الأعماق بضراوة حتى النخاع .. ظلوا عالقين بآلام تغوص  بلهيبها و حروقها وهى تنغرس فى الكيان، تمزق الحلوق والأحشاء ، حتى تجمد الزمن .. تجمد فجأة بما هم عليه من إحتراق .. وهذيان .. وذهول أكمه .. فحملقت العيون ، وامتدت الأيادى تستجدى المولى وهى متحجرة.. وظلت الأفواه فاغرة ..

  

إمتدت البلدة أمامها مقفهرة صامتة .. ترامت  وكأنها تفر بوديانها وتلال خضرتها اليانعة واشجارها الفارعة حتى الصحارى ، وقد تحجر عليها ناسها .. إنبطحوا بحركاتهم بلا حراك .. إمتدت الأرض للأفق صامتة حزينة  و كأن التراب يبكى والجدران تدمى وقد تحجّرت عليها الآمال .. حتى الفرحة بقروا بهجتها وتحجرت !..

  

وراحت تمعن النظر برهبةٍ .. رهبةٌ  تسوخ فى كيانها الهرِم .. أنْستها أنها كادت تتحجر، وأنستها الصور بين يديها ، لتغوص فى الأصداء ..

 

كانت مثقلة الوجدان وكأن كل ذرة فى كيانه تنتحب .. تنتحب حال المسلمين وهى  تتابع  ذكرى  مجزرة البوسنة .. وكل الآلاف التى تم  ذبحهم  ببرود كالح مع سبق الإصرار .. آلاف  تكدست جثثهم فى مقابر جماعية مجهولة الهوية .. والجانى حرٌ طليقٌ يعربد بمصير المسلمين !. وتراكمت عليها ، فى نفس الأيام واللحظات ، ذكرى أربعينية الفقيه الشيرازى ، وكل ما تأجج فيها من نحيب وسواد ، وقتلى تتساقط بلا سبب إلا الغدر.. إنساب النحيب فى كيانها كطبول صماء ، تقرع فى جوف قلبها مع كل نبضة وهى تغوص هلعة فى متاهة ملأها  الحزن.. وعاشت الأحزان فى الواقع وفى جموح خيالها .. تراكمت طبقاته عبر آلاف الموتى ، بل ملايين القتلى !.. فعادت تتأمل المأساة بين يديها .. وكادت .. كادت تسأل لماذا تأصّل النحيب فينا ؟.. واحتبست العبارات فى حلقها المتحشرج وهى تعاود النظر إلى ذلك الوجه ..

 

توقف تفكيرها على تلكما العينين .. عينان عسليتان واسعتا الطيبة والحنان ، لفتاة حلوة الملامح ، تنبض حيويتها بتدفق رغم الموت .. تنظر  بهدوء واستسلام  وهى تسأل : لِمَ هذا الدمار .. لِمَ هذا الغدر ؟!. وما ذنبى ؟!.. فشاحت بوجهها عنها ، مشحونة الإنفعالات ، تستجدى الله .. تستجدى الصمت الأخرس .. تستنجد بالأفق الممتد ..

 

و إمتدت البلدة أمامها مقفهرة صامتة حتى الآفاق .. لا يجيب تساؤلاتها الهلعة إلا صمت أكمه خنقته العبارات .. بينما السموات ترتج بأعماقها الغاضبة .. فراحت تخطو فى الغياهب الممتدة ..  تتأمل العدم .. تسأل المجهول واللا مرئى فيما وراء الصمت المشحون بحثا عنه .. عن إبن إبتلعته الغربة المفروضة ، ولم ينس جذوره الممتدة .. لم ينس الروابط .. ولم ينس الأصل الشامخ وسط الحضارات ..

 

كان قد أخبرها أنه أول من إلتقط صور هذه الماساة : مجزرة حلبچة .. حلبچة النابضة دوما فى الأعماق وفى أصداء الرأس المجهد ..  تأتيها الكلمات عبر الأثير .. مبتورة النزعة .. مجرد شذرات ..  قَطرات كالرشحات ، ينتزعها أو تفلت من سياج دوامة عملٍ شرس الإيقاع ، تحمل لها انفعالاته وآلامه .. فتقرأها .. ويتشبث البلل بالأهداب.. وتتوه فى أصداء الذكرى ..

 

كانت تتابع كتاباته .. تتابع خطاة .. تعايش حياته  فى خيالها بأمل واحد  ألا تفقده كأخيه الأكبر منه.. مكتفية بذلك القدر الضئيل حرصا علي حياته .. وفى لحظة، خالت نفسها بجواره فعلا وكأنها انسلخت من كيانها .. تتابع خطاه  وهو يلتقط  الصور بكل ما يعتمل فى كيانه وكيانها .. رأته يقترب من إمرأة لاحت عن بُعد .. ولاحظت رهافة حسه .. حرصه الشديد على ألا يزعجها .. يخطو ويتوقف ، فتتوقف هى بعيدة عنه ..رأته  يتأملها بإمعان.. كانت تحتضن رضيعها وقد ألقت برأسها على صدره ، فابتسمت هى للذكرى .. فما من أم لم تغفوا وهى ترضع وليدها .. ثم رأته يقترب منها بحرص  وراح يحدثها ، ينهضها لكى لا تبرد .. وازداد اقترابه منها ليوقظها ، إذ خالها نامت فعلا  وهى ترضع طفلها .. وانطبعت الصورة فى ذاكرتها وهى تراه  يقترب من تلك الشابة المكفية على رضيعها، وتلاقت أصداء الذكريات فى وجدانها وتلاحمت فى لحظة .. وارتعدت ! انتفضت فجأة على صيحة أعماقه المذعورة وهو يبتعد هلعا عن تلك المرأة من هول الصدمة .. من هول ما ارتسم على وجهها من جذعٍ أليم متعدد الألوان ..

 

وانهمرت دموعه ..  إنهمرت  وسط  الموت الممتد .. آفاقٌ لم تعد تَسَعْ ما فى جوفه من أحزان وتمزق .. وانشق كيانها لآلامه كأى أم سحقتها الفرقة وآلام الغربة.. تمنت لو تراه ولو لحظة.. تحتضنه ولو فى رحابة الكون .. تحوى تلك  الآلام لتزيحها عنه .. تربت عليه كما اعتادت أيام طفولة ولّت .. ودت .. ودت لو  ترتكن برأسها على صدره لتنساب دموعها ولو مرة ، لتغسل أحزانه  بتدفقها .. وبعد برهة ، راحت تربت على الصور بين يديها .. بإيقاع رتيب .. بإيقاع نحيبٍ أسود ..

 

 

13 / 7 / 2008