وردة العبيط !

 

توالى الطرق على الباب بشدة قبل شروق الشمس بينما البلدة ما زالت غارقة فى الظلام كنسائها : نساء الصعيد القابعات فى سلاب ممتدة .. استيقظتُ مذعورة على ذلك الصوت الأصم المتوالى ، فهدأنى زوجى واستبقانى بحزم فى الفراش.. ظللت كالبلهاء ، أغالب ضربات قلب مرتبك الهلع ، بينما راحت علامات الإستفهام تتراقص فى ذهنى حول "زائر الفجر" هذا .. فما أكثر ما حصدوه فى الظلام !

 

خيم الصمت ثقيلا كئيبا ، لا مقياس له ، ثم رأيت زوجى يقف مستندا إلى باب الغرفة بابتسامة طيبة ، ولم ألحظ أنه يخفى يده خلف ظهره .. توقفت عيناى بسؤالها ، فأجابنى وهو لا يزال فى مكانه :

 

- سيد .. سيد البيط

 

توقف ذهنى برهة وقد تداخلت فيه التساؤلات فى محاولة استرجاع سريع لمخزونى العقلى عن سيد ..

 

تزاحمت الصور والتعليقات والمشاعر وانا استرجع سريعا ملامح سيد ، أو "سيد العبيط " ، كما يلقبونه : وجه أسمر داكن اللون ، كالح حتى سواد العدم ، تعلو رأسه طبقة قصيرة من الشعر الأجعد الأسود. جبين بارز مرتفع ، يحده من أسفل حاجبان غليظان شبه مرتبطان ، تتألق تحتهما عينان صغيرتان ضيقتا الإستدارة دائمتا الحركة والتساؤل .. وإن بدتا لا تعكسان أى شىء ! وأنف مستطيل أفطس ، مفرطح الخياشيم ، وفم واسع ، بل شديد الإتساع ، تكاد الشفة العليا تلتصق بالأنف، بينما تتدلى الشفة السفلى بانتفاخها إلى منتصف ذقنه العريض ، تتراص بينهما أسنان ضخمة قاتمة الإصفرار.. وجه أشبه ما يكون بالمسخ البدائى لأغوار قبائل إفريقيا ، يعلو جسدا تلاحمت فيه الأوساخ  طبقات حتى صارت جزءا من كيانه ، ترتسم عليه إبتسامة دائمة، إبتسامة سيد العبيط !

 

خيل لى اننى لمحت زوجى وهو لا يزال يرقبنى، وهو واقف عند باب الغرفة، يتأمل انفعالاتى التى جذبتنى عنه لأتذكر اول لقاء لى بسيد ..

 

كان يجلس بجوار السلم ، بعيدا عن الضوء ، منكس الرأس ، حزين التقوقع ، يلوح بيده بحركات مقتضبة العفوية. وما ان رآنى ، وكنت حديثة السكن بالمنزل وبالبلدة ، حتى إزداد انكماشه فجأة وكأنه خشى أن أزجره بعيدا ، وما ان اجتزته حتى ذبحت نحرى رائحة حادة كعرين حيوان حبيس ، بينما تعليقات جاراتى اللائى حضرن للترحاب بى فى زيارتهن الأولى تتوالى ردا على سؤالى :

 

- ده حثالة بشرية .. لانعرف من أين أتى

 

- كلما طردناه عاد ثانية

 

- انه كالحيوانات الضالة

  

وتباعدت التعليقات بمرارتها لأتذكره بالأمس وهو يحيينى بكلتا يديه عند عودتى من نادى الموظفين .. دخلت الشقة وما أن أغلقت الباب حتى سمعت الطرق بشدة . ففتحت بدهشة لأننى لم أسمع أقدام تصعد خلفى. وما ان فتحت حتى تسمّرت مكانى أمام سيد ! أما هو ، فراح يضحك ضحكته العصبية المتقطعة ، مكررا بصوت أجش مبحوح :

 

- هىء .. ههىْ .. أنا .. سيد !

 

واحتوتنا فترة صمت .. كانت أول مرة أراه فيها عن هذا قرب ، وعدت أنظر إليه فى حيرة وإرتباك ، فلم يكن زوجى بالمنزل .. وحانت منى إلتفاتة إلى ساقه العرجاء : قدم متشققة كالأرض العطشى ، وبقايا أصابع مشدودة إلى أعلى وكأنها تصد عنه كارثة ما ، أو لعلها تستجدى المولى ؟!

 

أما هو ، فاسدل يديه فيما يشبه اليأس ، متحسسا جلبابه المصنوع من الجوت، جلباب يكشف عن مسطح صدر بعظام بارزة ، وتفصل بيننا تلك الرائحة الحادة الناحرة. فسألته ببطء عما عساه يريد ؟ ويبدو أنه لم يكن يتوقع هذا السؤال، فظل ينظر إلىّ بإمعان ، مشيرا إلى فمه بحركات متتالية بلا صوت تقريبا :

 

-هَمْ .. هَمْ هَمْ ..

 

فأغلقت الباب وهرعت إلى الثلاجة . ولا أدرى لماذا أمسكت بطبق ملىء بالقشطة وعسل النحل ؟ .. هل لأنه أول طبق طالعنى ، أم لأننى وددت الخلاص بأسرع وقت ممن هذا الموقف، أم لأننى حاولت تقديم أفضل ما لدى من طعام ؟ حقا لا أدرى. وما أن قدمت له الطبق ومعه رغيفا من الخبز حتى توقفت حركة عينيه الدائبة. توقفت بينما تدلى لسانه الداكن فى صمت ، واهتز كيانه بعبارات لم أتبينها ، ثم استدار فرحا بنفس حركاته العشوائية الإيقاع ، وانصرف.

 

أغلقت الباب خلفه ببطء وأنا أتساءل بخليط من الحزن والخجل من إرتباكى أو خوفى منه : ترى من أين أتى وما قصته ؟ هل ما يروونه عنه حقيقة ؟ هل يمكن لأم أن تلقى بوليدها فى الحقول النائية ليرعى مصيره ؟! عشب برى تتقاذفه الأيام والأحداث وصد الناس بقسوة واشمئزاز ؟! ضالة تبحث عن مأوى ، شريد يطرده المستقرون ؟! ينتزع قوته بمخالب أنبتوها له على مر الأيام ؟؟

 

واعتصرنى الخجل وأنا أرفع عيناى تجاه زوجى متسائلة :

 

- ما له سيد ؟

 

فاتسعت بسمة زوجى وهو يقترب منى وقد حرك يده من خلفه ليقدم لى وردة حمراء رائعة الجمال ، عصبية الخطوط ، ممشوقة فارعة ، كأجمل ما يمكن لوردة أن تكون فى بداية تفتحها ، قائلا :

 

- دى من سيد العبيط .. قال لى :

 

- إديها للست ! ..

                                                          

1958