أنشودة... وصيحة

 

همّت بقراءة التعليق بنظرة لتلم بمحتواه، كما تفعل عادة، مع مثل تلك التعليقات التي تطالعها على صفحتها الخاصة بالتواصل الاجتماعي، فعادة ما تكون عبارات مديح متكررة. وما كادت تطالع أولى كلماتها حتى توقفت مبتسمة: "الله عليكِ"... توقفت في بسمة هادئة. كم أسعدها أن يبدأ التعليق بلفظ الجلالة، وهو ما لم يصادفها من قبل في هذه التعليقات أو غيرها... كم تطمأن لسماع هذا الاسم الكريم وتعيش في كنفه وكأنه نقوس بلوري يحتويها ترى وتعمل ما تقوم به من خلاله ومن خلال تعاليمه. كم أسعدتها بداية من نور لتعيدها إلى عقود طويلة تراصت على كاهلها المتعب...

وبدأت تقرأ بإمعان:

"قضيت أغلب عمري أفكر في مثل هذه الحوارات وكلى يقين بأني إما أن أكون الغبي الوحيد في هذا العالم أو أكون العبقري الذي أدرك ما لم يدركه الأوائل... تحياتي لهذا النقل الرائع".

راحت تتأمل صدق العبارات، فنادرا ما صادفها من يعترف بجهله صراحة وهو يوازن بين الاحتمالات، احتمالات أن يكون على الصواب أو على الخطأ... عبارات بسيطة صادقة، خالتها قد اختفت من الساحة الفكرية والإنسانية في البلد مع كل ما اعتراها من أحداث ومحن جرفتها بعيدا على مر العقود.

لا تذكر كم مضى من الوقت وهي تقلب تلك الكلمات وطيبة قلب كاتبها، فذلك أول ما شعرت به. كم تمنت لو عرفت ملامحه لتطابقها على العبارات. وفى لحظة، كانت تحدق النظر في تلك الصورة الشديدة الصغر التي تكمن بجوار الكلمات، ولم يسعفها نظرها الخافت. لم تتبيّن أي شيء منها. وما هي إلا لحظات حتى كانت يدها تمتد إلى تلك الصورة الضئيلة الحجم لتفتح المسافة بأصابعها وكأنها تفتح الباب لترى من الطارق !. وما كاد وجهه يملأ صفحة "الآيباد" حتى أشاحت بوجهها من كل ما صدمها من آلام لم تكن تتوقعها... وبعد برهة راحت تتأمله ببطء: عينان داكنتان تتسع حدقتاهما وكأنها آفاق تتباعد في الجوف السحيق، أو كأنها ترقب من يرقبها بحثا عن بصيص من أمل... عينان طيبتان، شديدتا الطيبة والحزن. خليط غريب من الأحزان واليأس والإحباط، استكان لها في هدوء ظاهري، هدوء من يعرف أنه مساق إلي المصير المحتوم، المتكرر، وتاهت في الأعماق...

راحت تتأمله في صمت مشحون بالتساؤلات. توقفت عند نظرته. نظرة ثاقبة الهدوء.. تستسلم للأعماق الجريحة في صمت صاخب، وكأن المولى زوده بملكة تعاونه على إخفاء الغليان الكامن في القاع.. نظرة حالمة باسمة، متألقة اليأس والاستكانة، تغلفها دموع حبيسة تتبخر احتراقا قبل أن تنساب، إن انسابت... بدا لها وكأنه وُلد وهو يعلم سر الحياة والموت، وأنه عليه دوما أن يتذكر أنه يعلم، كمن يجسد البعث من القبور، فالموت يسبقه ويتبعه، ملاصق لخطاه، بينما ينصهر في نيران طاحنة، ليخرج منها مصقولا، أملس النقاء، لامع كالصلب بعد الانصهار...

لا تدري لماذا خالته يتميز بنهم غريب الخليط للقراءة والمعرفة من السياسة إلى الموات، مرورا بالأعمال والآداب والفنون والصداقة والأصدقاء ـ وإن كانوا معدودين في حياته، لكنه شديد الإخلاص لهم... الشغف والعقل، إنسان يبدو وكأنه يتحكم فيهما بإتقان، يهتم بغوامض الوجود حتى وإن تساقطت عليه المشاكل، لكنه لا يفزع، وإنما يواجهها وكأنه وُلد ليتغلب عليها..

وبينما هي غارقة في تأملاتها، منهكة، في محاولة جادة لتتذكر أين التقيا من قبل، من كثرة ما شعرت به من قرب وتلاقى، تصورت أنها تعرفه يقينا.. تقرأه وكأنها عاشت معه، تشعر بآلامه الجريحة وكأنها عاصرتها، ترى أحلامه المحطمة وكأنها جرحت بأشلائها المتراصة في صمت.. وصمتت متسائلة : كيف لها أن تهوّن عليه هموم وهي لا تعرفه إلا من هذه اللحظات..

 فارتكنت برأسها الهرِم إلى ظهر المقعد المرتفع وهي تتساءل في أي مجال التقيا.. أين التقيا يا الله؟ كيف يمكن الجمع بين اليقين والسراب أو اليقين وضده ؟ ... تشعر وكأنه خليط من المقاومة والصلابة والصراع انتظارا لميلاد جديد هربا من اليأس، فصمتت... وبلا مقدمات أو أي مسعى منها انبثقت في قاع رأسها تلك العبارة التي تؤمن بها، من أقوال الرسول صلوات الله عليه: "الأرواح جنود مجندة، مَن تعارف منها ائتلف، ومن تنافر منها اختلف".. فابتسمت وهي تردد: "التقينا عند رب السماوات والأرض" قبل أن يجندنا المولى برسائل علينا القيام بها...

وعادت تنظر إلى تلكما العينين بكل ما بهما من جراح دفينة وصمت اخرس حزين... ترى، وماذا عن عين القلب؟ أين هو منها، من تلك العين الباصرة  ؟! فعين القلب، تلك التي ترى نور الله والتي يرتبط من خلالها الإنسان بربه...هى عين اليقين، عين التأمل والغوص في عالم الملكوت، هي إحدى درجات المعرفة.. فعين القلب يمكنها استشفاف الجمال والنور بل والحياة بكلها إذا ما استطاع المرء أن يعيش تفتحها...

 سبحانك يا رب... ما كل ذلك الحزن الدفين وكأنه يسوخ في قاع محيط بلا قاع، محيط يحوي أحزان البشر، تحطمت على صخوره الآمال وكأنها خطى يمحوها الموج الحزين! وصمتت.

 لا تدري لماذا خالته لحظة وكأنه طائر لا يفرد جناحيه إلا وسط العواصف، عواصف تشرئب وتخبو وكأن موطنه الرعد في بلاد المآسي، وارتسمت على محياها بسمة هادئة، بسمة يضيئها شيء من الفهم وهى تدرك أنها على وشك الرحيل، وأنه ربما كان له دورا يقوم به أو العكس، ربما كان عليها القيام بشيء من أجله بعد أن قررت الرد علي تعليقه، وراحت تتمتم :

 "علّهما تلاقا في الغيب وفى غيب الواقع ليتسلم منها شعلة الأمل... الأمل والعمل، ليواصل طريقه"..

فالطريق دوما ممتد حتى وإن تراصت السدود... ممتد أمامه رغم السدود، لأنه يعلم، أنه أنشودة حب في حقل المعركة، أو هو صيحة معاناة في حقل الحب المدفون ...

 

يناير 2016