تكرار متكرر

 

غادر الدكتور نبوي مكتب الوزير فرحا متجها إلى سيارته السوداء الفارهة. كاد يطير أو يتطاير من الفرحة وهو يسبح في تداخل أحلامه.. وقبل أن يفتح الباب ألقى بنظرة باسمة على النيل وهو يجرف ربطة من الأعشاب الجافة، ولم يفهم ما الذي دفعه لينظر اليها وابتسم، بينما ذهنه لا يزال عالقا بموافقة الوزير على سفره للخارج. انعكست صورته على السطح الأسود اللامع، فابتسم راضيا عن أناقته.. وما كاد يفتح باب السيارة حتى تطايرا معا ليستقرا على بُعد بضعة أمتار.. بينما اختفت السيارة التي حصدتهما.

 

مرت لحظات خبت فيها آخر نبضاته ببطء بينما اقتربت دراجة فضولية متباطئة. وما كاد الساعي الذي يقودها يلمح الحادث حتى ركن دراجته ليتأكد من الأمر. وما أن اقترب من الجثة حتى صاح:

 

ـ يا نهار اسود .. دا البيه رئيس الهيئة!

 

وهرع إلى مبنى المصلحة الحكومية التي يعمل بها وكانت على الجانب الآخر من نفس الشارع الهادئ. نزل مهرولا من دراجته وهو يصيح لمن بالباب:

 

ـ الحقوا.. البيه المدير.. الريس انطس!

 

وارتفعت أصوات المتراصين من حوله وهي تتساءل في تداخل:

 

ـ أنهي مدير فيهم؟

 

ـ فين؟

 

ـ إزائي؟

 

فأجابهم الساعي لاهثا مضطربا:

 

ـ البيه رئيس الهيئة، جنبنا هنا.. عند مكتب الوزير!

 

تطاير الخبر بين الموظفين والسعاه، وما كاد السيد فقوس، رئيس المستخدمين يسمعه حتى صاح في وجه من نقل إليه الخبر:

 

ـ يعنى لازم تغمّنا واحنا بناكل؟!

 

لكنه سرعان ما أعاد يده بالجزء المتبقي من الساندويتش وقد أدرك سخف رده قائلا:

 

ـ بتكلم جد؟! لا حول ولا قوة إلا بالله.. ده الراجل كان ناوى يسافر.. كان بيسعي لها جامد!

 

فقاطعه أحد الذين كانوا يأكلون بجواره وهو يمسح فمه براحة يده:

 

ـ أهه سافر خالص!

 

قاطعهما الساعي قائلا: ومين راح يقول للبيه المدير؟؟

 

ـ الدكتور مرجان؟ يا عمى.. ألف من يكون بلّغه خلاص، ولا انت مش عارف السياسة المرجانية؟

 

صمت برهة بينما نظرات من حوله تتفحصه ببطء، فاستكمل عباراته قائلا:

 

ـ آل كنت ناوى ابارك لمدام جمالات على عيد ميلادها! أهه ابارك لها على المناسبتين!!

 

وتطلعت نظرات المحيطين به بينما راح يستكمل باستغراب:

 

ـ إيه؟ فيها إيه؟ عيد ميلادها والدرجة اللي طبّت عليها من السماء!

 

ـ هو احنا فين ومعاد الدرجات فين؟!

 

ـ لا يا حلو، دي اسمها ترقية بالإجباري! دول حتى سبع ترقيات.. سبع درجات فنية، من الأولى للسابعة كده كرررر!

 

ساد الصمت برهة والعمليات الحسابية تتطاير بسرعة، بينما راح أحدهم يسأل:

 

ـ لكن مدام حسنات لسه ما تمتش ثلاث سنين في الخامسة، وفيه أقدم منها بسنتين..

 

ـ مدام حسنات تعرف تبلبط في المية.. تعرف تعوم ويّا السمك، ثم.. ناقصها أيام وتستحق الخامسة.

 

وهنا انفجر الساعي بحرقة:

 

ـ يا ناس انتوا عمّالين تلعبطوا في الميّة وتعجنوا في السمك.. يا ناس حد يبلغ البيه المدير!

 

فنظر الأستاذ فقوس إلى ساعة يده وهو يتساءل بصوت عال:

 

ـ النهار ده إيه؟ آه.. لما الحقه قبل ما يروح الجامعة.. دا عنده محاضرة الساعة حداشر!

 

وسحب ما تبقى من السيجارة بلهفة، ثم أقفل أزرار الجاكت بانهماك ومسح على شعر رأسه المجعد بحركات خاطفة وهو يغادر الغرفة.

 

اقتربت هدى، موظفة الآلة الكاتبة، من باب المصلحة مسرعة الخطى بينما ذهنها عالق بكل ما مرت به صباحا.. والدتها في المستشفى واصرارها على الخروج هربا من معاملة الممرضات.. عراك سائق الأوتوبيس مع أحد الركاب، توقفه بجوار عربة الفول، ثم توقفه أمام المقهى ليأخذ كوبا من الشاي، ثم توقفه لإصلاح عطل ما في الموتور وهو يستكمل سيجارته، مما اضطرها لمغادرة الأتوبيس لاستكمال طريقها بخطوات لاهثة. فنظر إليها المعاون عند باب الدخول وسألها باستنكار:

 

 ـ هو حضرتك واخده إذن لتسعة ولا لتسعة ونص؟!

 

نظرت إليه ببلاهة وهو يواصل بنغمة مطاطة تدرك معناها: "يعنى أسجل الساعة ولا اودى الكشف ولى الحلاوة...؟

 

جلس الدكتور مرجان في غرفته الفارهة حائرا، فقد دارت الأحداث على عكس ما كان قد رتبها! راح يتأمل السيد فقوس من خلف نظارته الداكنة وهو يجتاز أمتار الغرفة العشرة بارتباك مدروس، وهو يفكر في الطريقة التي سيزف إليه بها ذلك النبأ، الذي كان الدكتور مرجان سيسمعه أكيدا للمرة الرابعة! فتباطأ وهو يسأله:

 

ـ طبعا سيادتك..

 

فهز الدكتور مرجان رأسه إيجابا واختصارا، ثم سأله بصوت خافت عما إذا كان هناك أي جديد، وهو يتساءل في نفس الوقت كيف سيوفق ما بين الجنازة وتسجيل برنامج التليفزيون، ثم تذكر برنامجه الإذاعي الذي يقدمه على الهواء. وفى نفس اللحظة دوى رنين التليفون مقاطعا ذلك الصمت المشحون. وبعد تبادل التحيات قال الدكتور مرجان باستنكار:

 

ـ اللجنة العصر؟ مش معقول طبعا، مش حا ينفع.. هو سيادتك ما تعرفش؟

 

وبينما كان يشرح ما حدث دق جرس التليفون الآخر. واعتراه شبه ارتباك طفيف وهو يعد أن يتحدث ما أن يفرغ من مهامه، بينما كان جرس دكتافون السكرتارية يناديه. فمد يده بالسماعة ليرفع زر الدكتافون بحركة آلية ولم ينتبه لفنجان القهوة، بينما صوت الدكتافون يعلن له وصول عامل المطبعة ومعه بروفات كتابه الجديد، أما السيد فقوس فقد هرع بمنديله ليجفف ما انسكب من القهوة وعامل المطبعة يقول بحذر:

 

ـ الأسطى بيقول لسيادتك يا فندم دي بروفة الفصل الرابع ومستني مراجعة سيادتك للفصل الثالث.

 

فصرفه وهو يوعده بإرسالها في أسرع وقت، بينما ذهنه انتقل إلى مدام حسنات التي اعتاد ان يسند إليها بأعماله الخاصة. كان المفترض أن تسلمه له صباح اليوم، وهو يعرف انضباطها معه. وفى نفس اللحظة انفتح باب المكتب لتدخل منه مدام حسنات، بلا مقدمات، ممسكة بمظروف أصفر كبير الحجم، بينما السيد فقوس يردد في صمت "وآدي الفصل الثالث".. فطلب منها الجلوس بيده مصحوبة بابتسامة صامتة والسيد فقوس يتمتم في ذهنه: "دلوقت الساقين راح تترسم سنجة ونص"! ثم اقترب من المدير ليستأذنه في الانصراف قائلا:

 

ـ راح نعمل إيه في النعي؟

 

ـ واحد باسم العاملين طبعا.. وواحد بإسمي.. انت عارف المرحوم كان أستاذي و...

 

ـ مفهوم يا فندم، مفهوم..

 

صعدت هدى إلى مكتبها في الدور الثاني مهمومة وهي تفكر عما سيفعلونه وهل سيضطرون للذهاب للتعزية، كما يحدث في بعض الأحيان أم ان هناك تغيير ما.. وكم كانت صدمتها أن ترى زميلاتها الأربعة في الغرفة حول مكتب إحداهن، كالمعتاد كل يوم، بينما السندوتشات تتوسط سطح المكتب وكأن لم يحدث شيئا، وعامل البوفيه على أعقابها بالصينية وعليها الشاي والحلبة باللبن وفنجان القهوة بينما صوت إحداهن تسأله: "جبت السجاير يا شعبان" ؟

 

تأخرت وجبة الإفطار في ذلك اليوم للارتباك الذي حدث صباحا، وبعد ان فرغن منها ومن مناقشة أقدميات الدرجات، ومن ستحصل عليها ومن سيتم تغافلها، اتجهت كل واحدة منهن إلى مكتبها ببطء ليطالعن الجرائد وقراءة البخت والنكت، ثم تبادل الجرائد والمجلات التي يتناوبون قراءتها، وبعدها امسكت كل واحدة منهن ما تقوم به أولا صباح كل يوم: فأخرجت إحداهن شغل التريكو والأخرى مفرش الكانفاه بينما أمسكت الثالثة بكيس من داخل كيس وراحت تقطع الفاصوليا الخضراء بسرعة بانهماك..

 

والتفتن جميهن على دخول الأستاذ خالد وهو يقول :

 

ـ يا جماعة عوزين كشف الإحصاء، و

 

وبعد الصمت المفاجئ ارتفعت الأصوات متداخلة في آن واحد تقريبا بحيث يصعب فهم ما يقولن:

 

ـ أنا مش مسئولة عنه!

 

ـ دحنا بقينا الظهر، هو لازم النهار ده يعنى؟

 

ـ والنبي فاضل لي قراط واحرد الكُم، لازم أخلصه قبل ما اروّح!

 

فاتجه بشيء من الحنق والحرج إلى آخر مكتب أمامه لم يصدر تعليقا، سار بشيء من التردد وهو يسأل ببطء:

 

ـ آنسة منى.. يا ترى.. ممكن حضرتك..

 

فمدت يدها بامتعاض صامت وهي تأخذ منه الأوراق، فشكرها وخرج وهو يتمتم بمرارة:

 

"... ... ...!"...

 

 

1975