"كشف هيئة"..

 

ما أن لمحت شارة الشركة على جانب الظرف وهو لا يزال في يد ساعي البريد حتى كادت تقفز من الفرحة! فتمالكت إلى أن أغلقت الباب، واستندت عليه بظهرها، بينما قلبها يكاد يقفز مع نبضاته الضخمة. فأخذت نفسا طويلا وهي تردد في سعادة: ".. ياااااه.. أخيرا! احمدك يا رب"..

ورغم انفعالها، بدت وكأنها تعرف محتوي الرسالة، بل كانت تعرفها إجمالا. إذ قالوا لها عندما أدت الامتحانات التحريرية الثلاث أنهم سيرسلون خطابا لمن يجتازها بتفوق لتحديد موعد الاختبار الشفهي.. ويقفز استنكارها في مخيلتها وهي تتذكر: "امتحان ايه تاني؟" ويأتيها رد المسئول قائلا بوقار وأدب: "لا.. دي حاجة كده زي كشف هيئة.. الشكل.. شوية معلومات عامة.. ".. وانتبهت على صوت الأم وهي تسألها باستغراب عن الطارق، فهرعت اليها بكل ما بكيانها من فرحة، لترتمي على كتفها وهي تكرر بسعادة غامرة: "إنقاذ !.. أخيرا، اترحمت من الملل يا أمي"!

مر الاسبوع كسابقيه من الأسابيع ومن الأعوام.. نفس وتيرة الملل، تكرار نفس الروتين بين الزميلات، لكنها، ويا للعجب، لم تعبأ أو بمعنى أدق، لم تشعر بنفس الملل الذي كان ينتابها من شعورها بأنها أو "أنهن" أشبه بقطع الأثاث والأدوات المكتبية التي يتم توزيعها على المكاتب مع بدية كل عام مع الميزانية الجديدة !..

جلست تستعرض شريط حياتها بعد تخرجها من الجامعة الأجنبية وكل ما تعلمته، وكيف تم توزيعها على إحدى المصالح الحكومية التي لا علاقة لها بما درست.. ثم سعيها حثيثا حين سمعت عن شركة حكومية جديدة تطلب تعيين كفاءات، ظنا منها أن الشركة ستكون أفضل. فتقدمت ونجحت. لكن، سرعان ما صُدمت بنفس الروتين يتسلل وكأنه القضاء والقدر المفروض بجبروته على كافة المصالح الحكومية.. وها هي المرة الثالثة التي تحاول فيها تغيير وظيفتها وقد قاربت الخامسة والثلاثين من العمر. فقد سرى خبر مكتوم النزعة بين الزميلات عن افتتاح فرع بالقاهرة لشركة أجنبية، وان المرتبات لا علاقة لها بالأجور الحكومية..

لا تدري كيف تسلل النوم إلى جفونها أو حتى إلى عقلها ليلة ذلك اللقاء، أو ذلك الامتحان الذي تم وصفه أنه "كشف هيئة".. فالليل عالم في حد ذاته، بل عوالم جمّة اشبه ما تكون كالنحل بأزيزه. فالليل، فيما درست من الآداب الغربية، هو ابنة الخواء وأم السماء والأرض عند قدماء الإغريق.. وضحكت لاختلاف التأنيث والتذكير بين اللغات وما يسببه من مشكلات في الترجمة.  فالليل لديهم هو من أنجب النوم والموت، والأحلام والأرق.. كما أنجب المشاعر والخِدع! وتعجب من تلك الذكرى وكيف أن الآلهة عندهم كانوا يتحكمون في طول الليل وفي خط سير الشمس والقمر ليتمكنوا من إنهاء مهامهم.. فالليل يمرح في السماء مغَلفا بعباءته الداكنة، يقود عربة تجرها أربعة جياد سود.. وانتبهت فجأة إلى ضوء القمر الذي غمر جزء من غرفة نومها، من تلك الفتحة التي تتركها بين الستائر لتشعر بالفَجر، وابتسمت للقمر بدرا مضيئا صافيا، فالقمر ينمو ويضمحل ويختفي ليعاود الظهور من جديد، وبلا مقدمات تسلل معه بيت أبي تمّام قائلا: "إنّ الهلال إذا رأيت نموّهُ...أيقنت أنّ سيصيرُ بدرا كاملا". وما أكثر ما تغنى به الشعراء، بجميع اللغات، لكنها توقفت وهي تتساءل برغبة دفينة تلازمها ولا تجرؤ على البوح بها: "كيف يسجد يا ربي؟!"

ابتدرتها والدتها في الصباح باسمة وهي تقول بفرحة: "ربنا يفتحها في وشك يا سُها".. ثم أضافت بشيء من الحرص مصحوبا ببسمة: "على الله تقابلي ابن الحلال!". قالتها وكأنها تتحسس حقل ألغام، فهي تعلم كم تكره الابنة هذه العبارة حتى وإن كانت تتمناها في الأعماق، لكن قلب الأم، كأي أم، كانت تحلم بزواج ابنتها، خاصة بعد وفاة والدها وشقيقها الأكبر منها، في ذلك الحادث المتكرر دوما على الطرقات.. كانت تحلم بزواجها لكيلا تتركها وحيدة بعد الرحيل.

فتحت سُها دولاب ثيابها وذهنها مشحون بالأفكار المتداخلة.. ما هي الصورة التي تود نقلها لذلك المدير، ثم.. هل هو مثقف أم محدود الفكر، ريفي الأصل أم غربي الثقافة والممارسة، أو...! ومرّت بنظرة فاحصة على كل ما تدلى من فساتين بحثا عن اللون المناسب. فهي تعلم أن رمزية الألوان عالمية وليست جغرافية، رمزية على كافة المستويات الإنسانية والمعرفية والكونية والنفسية والروحية.. بل لقد ميّز العلماء بين الألوان الحارة والألوان الباردة.. وقد يختلف تفسيرها وفقا للثقافات، لكنها تظل أبدا مساندة للرمزية الفكرية. فألوان الطيف السبعة، التي يمكن للعين أن تستشف بينها سبعمائة درجة متفاوتة، هو ما يفسر الفرق بين الأراء والأحكام.. فكل انسان يحكم من وجهة نظره ووفقا لما يراه..

استقر نظرها على ثوبين: الأبيض والأزرق، وراحت تتأملهما بنفس الصمت المشحون.. فالأبيض، الذي لا يندرج فيه سوى البريق وعكسه، يعني الغياب أحيانا وكفن الموتى.. انه جُمّاع كل الألوان علماً، ويعرب عن الانتقال من حال إلى حال، فالأبيض ينعكس علينا كالصمت المطلق وكأنه لا يحتوي على ذكرى أو أصداء، كما ينعكس بالنقاء، برائحة الفل والياسمين، و..  وفجأة مدت يدها لتسحب الثوب الأزرق، وكأنها قررت وحسمت. فالأزرق أعمق الألوان قاطبة في نظرها. والنظر إليه يغوص في أعماقه، وكأنها فراغات متراكمة.. فراغ الجو وعمق المياه واشعاع البلور والماس.. فراغ يخترقه البصر حتى الصقيع، فالأزرق أكثر الألوان برودة وانقاها. وكأنه ليس من عالمنا، فهو يعكس شيء من الخلود.

وقفت سُها أمام المرآة تتأمل اختيارها ومدى تجاوبه مع تلك المناسبة الرسمية، المحددة، وما تود أن توصله للمدير من أول نظرة. ثم نظرت إلى شعرها الذي لم تقرر بعد كيف تصففه، وكادت تصدر نفخة ملل. لكنها سرعان ما عقصت شعرها المسترسل في تموجات انسيابية، عقصته إلى أعلى ليزيدها وقارا وتألقا فكل جزئية فيها يجب أن تعكس من النظرة الأولى مدى جديتها كإنسانة، إنسانة واضحة، محددة، لا لبس في وصفها.

وما أن وصلت إلى المبنى حتى غمرتها فرحة خاطفة. استوقفها ذلك الفارق الواضح بين المباني الحكومية، وما يعلوها من علامات الزمن المتراكمة، وبصمات من مروا عليه بهمومهم، وسوء الاستخدام لكل شيء، وبين هذا المبنى الأبيض ونوافذه العريضة بزجاجها الأزرق، وكل ما تراص في ممراته الداخلية من نباتات! وما هي إلا لحظات حتى كانت في غرفة السكرتارية الخاصة بالمدير، وطُلب منها الانتظار قليلا، فهناك من سبقها في الدخول.

تفحصت سُها الغرفة بنظرة خاطفة واستكانت في جلسة أنيقة بكل ما يعتمل داخلها من أمنيات يعتريها رفضها اللجوء إلى اية وساطة، وما أسهلها، لكنها آثرت دوما خوض الحياة بلا تدخلات من أحد. ثم راحت تتخيل اللقاء وما سيكون عليه..

 هل سينظر إليها المدير من أعلى إلى أسفل؟ وذلك يعني الاستخفاف أو الازدراء، أم سينظر إليها من أسفل إلى أعلى؟ وذلك يعني شيء من المباركة.. فالنظرة تحمل كل عواطف الروح ولها قوة تضفي عليها فاعلية رهيبة.. النظرة هي أداة النسق الداخلي للإنسان. فقد تقتل، تصعق، أو تعكس اعجابا وترحيبا، ويا لكثرة ما يمكنها أن تعبّر عنه.. فالنظرة تكشف عن أعماق من ينظر وانعكاس نظرته على من يتأمله.. ومن الغريب ملاحظة ردود أفعال الشخص الذي ننظر إليه أو ننظر إلى أنفسنا وفقا لنظرة من يتأملنا. فتبدو النظرة وكأنها رمز وأداة كشف ما.. وكأن نظرة الآخر مرآة تعكس نظرة شخصين. فهي كالبحر المتموج، يعكس أعماقه الدفينة وانعكاسات السماء..

وبينما هي غارقة في تصوراتها، تبحث عن عين اليقين، عن الحدس، عن نهاية لذلك القلق الدفين حتى وإن لم تعترف بوجوده في الأعماق أو تقره، وسؤال مكتوم عما كيف سيتم اللقاء، وكيف سينظر إليها، كيف سيقوم بتقييمها.. إذا بالسكرتيرة تشير لها بأدب واضح بالدخول إلى غرفة المدير.

ما أن فتحت الباب حتى فوجئت سُها باتساع الغرفة! فطولها أكثر من عشرة أمتار، كما فوجئت بشدة اضاءتها وثراء مفروشاتها، وكم النباتات والزهور. فتوقفت مكانها. راحت تبحث وتنظر إلى المكتب الذي يجلس عليه المدير وعلى مقربة منه سكرتيره الخاص، لكن على مقربة منه، بينما تعلوهما لوحة كبيرة لمنظر طبيعي مبهر. كادت تظل واقفة بلا حراك، تتأمل كل ما لم يخطر على بالها.. وقفت تتأمل ما لم تألفه في أي مكتب من المكاتب التي مرت عليها طوال عمرها في الوظائف الحكومية، إلا أن إشارة السكرتير ويده الممدودة نحوها بأن تتقدم، نبهتها للتحرك في نفس اللحظة التي لمحت فيها عن بُعد بسمة رهيفة، وكأنها بسمة مترددة، على وجه المدير..

تقدمت سُها بخطى ثابتة، رشيقة رغم فيض التساؤلات التي تعتمل في القاع، تقدمت لتجلس على المقعد الملاصق للمكتب كما أشار لها السكرتير. لكنها ما أن اقتربت من المكتب حتى صٌدمت !

صدمت بعينان كالحتان، باهتتان، فقدتا الشعلة الإلهية، مرفوعتا النظرة إلى أعلى بزاوية جهة اليمين.. بينما اتسعت البسمة تحتهما، مع رجفة خفيفة تهز الشفتين، وهو يدرك ما اعتراها ، وكأنه أراد أن ينتزعها من كل ما هي فيه قائلا:

 

ـ أهلا بمن حصلت على أعلى الدرجات..

 

زينب عبد العزيز

2004